محمد جمال الدين القاسمي
468
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تقدير مجيء الآية المقترحة لهم ، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون . فعدم الإنزال لعدم الإيمان . و ( يشعركم وينصركم ) ونحوه ، قرئ بضم خالص وسكون واختلاس . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 110 ] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ عطف على ( لا يؤمنون ) ، داخل في حكم ( ما يشعركم ) ، مقيد بما قيد به . أي : وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه . وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه ، لكن لا مع توجهها إليه ، واستعدادها لقبوله ، بل لكمال نبوّها عنه ، وإعراضها بالكلية . ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم ، إشعارا بأصالتهم في الكفر ، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشئ من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار - أفاده أبو السعود - . كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أي : بما جاء من الآيات أَوَّلَ مَرَّةٍ أي : قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها ، وَنَذَرُهُمْ أي : ندعهم فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي : يترددون متحيرين ، لا نهديهم هداية المؤمنين . قال أبو السعود ( ونذرهم ) عطف على ( لا يؤمنون ) ، داخل في حكم الاستفهام الإنكاريّ ، مقيد بما قيد به ، مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار ، ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره ، بأن يقلب اللّه سبحانه مشاعرهم عن الحق ، مع توجههم إليه ، واستعدادهم له بطريق الإجبار ، بل بأن يخليهم وشأنهم ، بعد ما علم فساد استعدادهم ، وفرط نفورهم عن الحق ، وعدم تأثير اللطف فيهم أصلا ، ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادهم ، كما أشرنا إليه . انتهى . وفي ( اللباب ) : في الآية دليل على أن اللّه تعالى يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه ، فيقيم ما شاء منها ، ويزيغ ما أراد منها . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك . انتهى .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : القدر ، 7 - باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن ، ونصه : عن أنس قال : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول « يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك » فقلت : يا رسول الله ! آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف عليها ؟ قال « نعم . إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، يقلبها كما يشاء » .